Résumé:
تعالج هذه الأطروحة مشروع المفكر المغربي محمد نور الدين أفاية، بوصفه مشروعا
فلسفيا يقوم على تداخل ثلاثة أبعاد مركزية (النقد، والاختلاف، والتأويل)، وهي تكشف كيف
أعاد أفاية صياغة سؤال النقد في الفكر العربي المعاصر، متخطيا فعل الهدم والتقويض، إلى
ممارسة تأويلية منفتحة تسعى إلى تجاوز الخطابات الأحادية والمركزيات المغلقة. ومن هنا
صار النقد عنده أفقا لإعادة بناء الوعي بالذات والآخر والعالم، قائما على الاعتراف بالاختلاف
كشرط للوجود والفهم، ومنفتحا على إمكانات فكرية تتجاوز سلطة اليقينيات، وتحرر الفكر من
أسر التطابق.
وانطلاقا من مقاربة تأويلية، يتتبع هذا البحث الجذور الفلسفية التي أسهمت في تشكيل
وعي أفاية النقدي، بدءا من حواره مع الفلسفة الغربية من كانط وماركس إلى مدرسة
فرانكفورت وهابرماس وفلاسفة ما بعد الحداثة، وصولا إلى توظيفه لمفاهيم مثل "المتخيل"
و"الغيرية". وقد أتاح له هذا الحوار النقدي صياغة رؤية تنفتح على قضايا الهوية،
والديمقراطية، والحداثة، دون الوقوع في استنساخ النموذج الغربي، وذلك من خلال استلهام
منطق التواصل والتعدد. كما يتضح انشغاله بفلسفة المتخيل كمدخل لكشف آليات الصور
النمطية الصليبية والاستشراقية، وإبراز دور "الرمزي" في مقاومة أشكال التطابق والإقصاء،
بما يجعل من خطاب الاختلاف ممارسة رمزية وسياسية في الآن نفسه.
وفي السياق الفكري العربي، تنخرط الأطروحة في إبراز حوار أفاية مع مشاريع
مفكرين مثل: الجابري، والعروي، وناصيف نصار، والخطيبي، لتبين كيف صاغ من خلالهم
تصورا نقديا يتجاوز ثنائية الأصالة والمعاصرة، ويراهن على "النقد المزدوج" وفلسفة
"الهجنة" كأفق بديل. وتخلص الدراسة إلى أن مشروع أفاية يمثل إسهاما نوعيا في الفكر
العربي المعاصر؛ لأنه يوفق بين النقد الغربي وإشكاليات الراهن العربي عبر قراءة نقدية
تأويلية، تجعل من الاختلاف قيمة إنسانية كبرى، وتدعو إلى ممارسة فكرية مسؤولة، حذرة
ومنفتحة في الآن ذاته.
وخلاصة القول: إن إسهام أفاية ليس مجرد تمرين نظري في الفلسفة، بل هو دعوة
متواصلة لبناء ثقافة نقدية مستلهمة من روح الحوار والتواصل، وهي ثقافة بينية تقاوم
إغراءات الدوغمائية والانغلاق، وتضع أسس حداثة عربية ممكنة، قائمة على التعددية
والديمقراطية. وهكذا يبرز مشروعه بوصفه أحد الإسهامات البارزة في إعادة التفكير في موقع
الفكر النقدي العربي ضمن السياق الأوسع للعولمة وتحدياتها.